العراق الضائع فـي ظــلام غرفة باول أوستير

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
14/04/2010 06:00 AM
GMT



 رجل محاصر في حفرة مظلمة يحاول فهم المصير الذي انتهى إليه؛ رجل آخر يجلس في ظلام غرفة نومه ويروي القصص؛ عوالم حقيقية وأخرى متخيلة من الصعب التمييز بينهما؛ كل ذلك نعرفه من قراءاتنا أعمال باول أوستر، أنه موجود في جميع رواياته السابقة


والتي تدور كلها حول العلاقة المتداخلة بين العالمين المذكورين، والتي لا علاقة لها (كما في أعمال روائيين آخرين) بالدوافع التي تجعل شخصية روائية ما تتحرك بهذا الإتجاه وليس ذاك. لكن ماذا حصل في روايته الجديدة، "رجل في ظلام"؟ وفي أي إتجاه ذهب هذه المرة رجل التحري الخاص، الذي من الصعب تصور رواياته السابقة بدونه؟

مقارنة بروايات سابقة لباول أوستير لا تبدو رواية "رجل في ظلام"، أكثر تشاؤمية وحسب، بل أنها ضائعة بعض الشيء، من الصعب تصنيفها في خانة معينة، ولا ينقذها الدافع الشخصي الواضح، فهي مهداة إلى عائلة الكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان الذي قُتل إبنه عام 2006، في اليومين الأخيرين من الحرب بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان. الرواية تتحدث عن شخص أسمه أوين بريك والذي يستيقظ ذات يوم ويجد نفسه في حفرة أرضية ويلاحظ، أنه إنتهى إلى واقع "معاصر" بديل عن الواقع الذي كان فيه، حيث تدور أمامه حرب أهلية في الولايات المتحدة الأميركية عام 2007، أما طرفا النزاع فهما: من جهة الولايات الأميركية التي أعلنت الإستقلال ومن الجهة الأخرى، الإتحاديون الذين التفوا حول الرئيس الأميركي السابق بوش ينيور. في الواقع "البديل" هنا نرى أيضاً برجي التجارة العالميين ما يزالان شاخصين. تلك هي أول إشارة لإختلاط الواقع بالخيال، وبأننا أمام عالمين مختلفين: زمن خارج الرواية، وزمن ما قبل الرواية.  لكن ما هو ثابت في الرواية هو أن أوين بريك يُدعى للحرب لكي يوقفها.
المهمة التي يتسلمها أوين بريك من قادة الجيش في الولايات الأميركية المستقلة، هي إبادة المسبب الرئيسي للحرب: والذي هو في الرواية ناقد أدبي طاعن في السن، عمره 72 عاماً، اسمه أوغست بريل، والذي جلس شخصياً في ظلام غرفة نومه وهو يروي قصة حرب أهليه، تقسم الولايات المتحدة الأميركية إلى شطرين، وعن رجل أسمه أوين بريك يتسلم مهمة قتل المسبب الرئيسي لهذه الحرب! وكأن ناقدنا الطاعن بالسن هبّ لطلب النجدة للإنتهاء من موته الشخصي وبسرعة عبر طريقة ملتوية "خيالية".
هل يمكن لأوين بريك المخترع التصرف بشكل حر في هذه الحالة؟ وهل يمكن أن يكون سلوكه "قاتلاً" بالفعل في النهاية، كما تصوره أوغست بريل؟ أنها أسئلة تقع في صميم قلب "شاعرية ما بعد الحداثة الخاصة بباول أوستير"، كما وصف ذلك أحد النقاد الألمان، وهو يتحدث عن الرواية الجديدة لباول أوستر والتي هي حسب الناقد نفسه، "أسئلة معروفة شغلت المجال الذي تحركت فيه شخصيات روايات باول أوستر جميعاً". صحيح أن روايته هذه تملك مستوى فانطازياً تجريدياً مشابهاً لروايته التي سبقتها "رحلة في غرفة الكتابة"، إلا أن إطار الحكاية الذي يؤطر أوغست بريل هو أيضاً الإطار الذي رأيناه يؤطر حكاية روايته ما قبل الأخيرة، "بروكلين ريفيو"، وهو إطار مبالغ به، يريد أن يكون واقعياً بالقوة.
الإطار هنا مبالغ به، لأن أوغست بريل وببساطة لا ينجح بالعيش في قصصه، لكي يسحب نفسه من الواقع. ففي الغرف الأخرى لبيته نرى كيف أن إبنته ميريام، وحفيدته الشابة التي عمرها 23 عاماً، كاتيا، والتي سقط صديقها تيتوس سمول قتيلاً في الحرب، ساهرتين لا تنامان. وفقط أولاً عند نهاية الرواية تكشف الاحداث عن نفسها في علاقتها مع بعض: تيتوس سمول (القتيل) سبق له وأن عمل في قسم الخدمات في الجيش الأميركي في العراق، أُختطف هناك وقُطع رأسه أمام الكاميرا. وهذا ما يوضح ليالي السهر اللانهائية أمام التلفزيون والتي يقضيها أوغست بريل مع حفيدته (التي قطعت دراستها للسينما بعد موت تيتوس)، بمشاهدة أفلام كلاسيكية أميركية. كما لو أنهما أرادا عن طريق ذلك  محو صور قتل تيتوس البشعة وإستبدالها بصور أخرى جديدة، جميلة ربما، إستعاراها من الأفلام الكلاسيكية، كأنهما أرادا في النهاية تشكيل إنطباعات "إنسانية" جديدة في الذاكرة، غير تلك التي جلبتها الحرب معها.
باول أوستير يروي قصة حلم لكي يربط الحلم هذا بقصص حياة أوغست بريل. القصص هذه تتحدث أيضاً عن إنفصالات عائلية، عن إصراره على الشعور بالذنب، عن زواجين فاشلين وعن طرائف حدثت له مع أصدقائه ولا يريد نسيانها، ربما يفعل ذلك لكي ينعش ذاكرته عن طريقها، لأن الطرائف هذه هي حوادث جرت في فترة حكم النازيين لألمانيا، كما أنها تلقي ضوءاً آخراً مختلفاً على حوادث حياته الحالية.
بهذا الشكل يتشكل خط متواز قابل للفهم إلى حد ما، بين الكوارث الشخصية والكوارث التي تجلبها الحرب. لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه على القاريء: هل يمكن بالفعل مقارنة هذه الكوارث ببعض؟ هل تستطيع قصة العالم "الحقيقية" تقديم العزاء لشخص ما يعيش قصة "كارثية" آنية؟ على الاقل نهاية رواية "رجل في ظلام"، تلمح، بأن الأمر يمكن أن يكون بهذا الشكل! كاتيا وميريام تجيئان ليلاً إلى غرفة أوغست بيل وترويان له سوية وحتى ساعات الصباح المبكرة قصصاً شخصية، نوع من العلاج، ليس عن طريق شطب القديم عن طريق صور جديدة، بل عن طريق كلمات متبادلة في الظلام. المكان "الفارغ" الخاص برجل التحري الخاص كما عرفناه في روايات أوستير السابقة، شغلته هذه المرة الحفيدة، كاتيا، والتي تستخلص قصة حياة أوغست بيل منه شخصياً، لكي تعثر في داخلها على وضعها الخاص بها أيضاً.
أما أن يجعل أوغست بيل، الراوي "الواقعي" في الرواية، بطله "القاتل" المخترع يموت قبل نهاية الرواية بصفحات عديدة، فلا يعدو في هذه الحالة غير تعبير عن رفض باول أوستير للقص عموماً. إنتقالة أوستير "الروائية" في هذه الرواية، طريقته بكتابتها، هي لهذا السبب غريبة أيضاً، لأنه أراد أن يقنعنا  في النهاية، أن شفاء الراوي يشترط موت الشخصية التي يُروى عنها. وبهذا الشكل لم يأت باول أوستير في هذه الرواية بما هو جديد. "ما يجذب القاريء لقراءة رواية"، كتب ذات مرة الفيلسوف الألماني فالتير بنيامين، "هو الأمل، بمنح حرارة إلى حياته المملة عن طريق الموت، الذي يقرأ عنه".
عموماً أن ما يبدو أمراً عصيباً أكثر في هذا السياق، إن لم يكن الأمر غير قابل للإقناع، هو أن العراق في "رجل في ظلام" يبدو من حين إلى آخر مثل عالم "خفي" يتحرك بالتوازي، بينما هو في الحقيقة، حاضر في وسط العالم الوحيد الموجود أمامنا، وليس كما هو العراق الضائع في ظلام غرفة باول أوستي.